الشيخ محمد هادي معرفة

168

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

يقتصرون في الإفتاء - منذ ذلك العهد - على ما أفتى به الأئمّة الأربعة فحسب ، وهي كارثة عُظمى أوقفت نابضة حياة المسلمين ، التي كانت قبلُ تتقدّم إلى الأمام بخطوات واسعة . « 1 » وهكذا حادث إيقاف حركة الاعتزال وتحكيم العقل في الحياة . « 2 » وفائدة أُخرى نتوخّاها وراء هذا العرض هو : الوقوف على مدى تأثير الاجتهاد الشخصي في اختيارات القرّاء ، كان أحدهم يتتلمذ على شيخه ليتعرّف إلى أُصول القراءة ، وهكذا عند غيره وآخر . لكنّه بعد ما اجتمعت لديه معلومات عن أُصول الفنّ ، كان يستقلّ في الاختيار ، ويستند في قراءاته إلى اجتهاده الخاصّ . قال أبو عبيد - في كتاب القراءات - : كان الكسائي يتخيّر القراءات ، فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا . وقال أبو عمرو الداني : قرأ الكسائي على محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى واختار لنفسه قراءة . . . وهكذا . « 3 » وهذا شيء طبيعي كثيرا ما يختلف اختيار التلميذ عن شيخه ، حيث اختلاف الأنظار والسلايق . وإلّا لكانت القراءة تقليديّة يتداولها شيخ عن شيخ من غير اختلاف مع الأبد . وهكذا نجد اختلاف بعض القرّاء - وهم في طبقة واحدة - مع البعض . أو نقض أحدهم على صاحبه - وهما يقرءان على شيخ واحد - كلّ ذلك دليل على مدى تحكيم الاجتهاد في اختيار القراءات . من ذلك ما ذكره ابن مجاهد ، قال : قال لي قنبل : قال القوّاس - في سنة سبع وثلاثين ومائتين - : الق هذا الرجل ( يعني البزّي ) « 4 » فقل له : هذا الحرف ليس من قراءتنا ، يعني « وَما هُوَ بِمَيِّتٍ » مخفّفا ، وإنّما يخفّف من الميت من قد مات ، وأمّا من لم يمت فهو مشدّد . قال :

--> ( 1 ) - وقد وصف المؤرخون هذا القرن الرابع بدور ضعف الإسلام وانحطاط المسلمين وشيوع الفوضويّة والاضطراب في أنحاء البلاد الإسلاميّة ، راجع : مروج الذهب ، ج 4 ، ص 340 وما بعد والحضارة الإسلامية ، ج 1 ، ص 25 . ( 2 ) - يقول الأستاذ أحمد أمين : وفي رأيي أنّه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحاليّ . وقد أعجزهم التسليم وشلّهم الجَبر وقعد بهم التواكل . ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص 70 . ( 3 ) - انظر : معرفة القرّاء الكبار ، ج 1 ، ص 100 - 101 . ( 4 ) - قنبل والبزّي راويا ابن كثير .